علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
172
ثمرات الأوراق
وسلّمت عليه ، فردّ عليّ السلام ، فقلت : لمن هذه الدار ؟ فقال : لرجل من التجّار ، قلت : ما اسمه ؟ قال : فلان بن فلان ، فقلت : أهو ممّن يشرب الخمر ؟ قال : نعم ، وأحسب اليوم أن عنده دعوة ، وليس ينادم إلا التجّار . فبينما نحن في الكلام ، إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان ، فأعلمني أنهما أخصّ الناس بصحبته ، وأعلمني باسميهما ، فحرّكت دابّتي ، فلقيتهما وقلت : جعلت فداكما ! قد استبطأ كما أبو فلان ؛ وسايرتهما حتى أتيا الباب ؛ فدخلت ودخلا . فلمّا رآني صاحب الدار معهما لم يشكّ أني ضيفهما ؛ فرحّب بي وأجلسني في أفضل المواضع ، ثم جيء بالمائدة فقلت في نفسي : هذه الألوان قد منّ اللّه عليّ ببلوغ الغرض منها ، بقي الكفّ والمعصم . ثم نقلنا إلى مجلس المنادمة ، فرأيت مجلسا محفوفا باللّطائف ، وجعل صاحب المنزل يتلطّف بي ، ويقبل عليّ في الحديث ، لظنّه أنّي ضيف لأضيافه . وهم على مثل ذلك حتى شربنا أقداحا ؛ إذ خرجت علينا جارية كأنّها غصن بان ، في غاية الظّرف وحسن الهيئة ؛ فسلّمت غير خجلة ، وأتي بعود فأخذته وجسّته ، فإذا هي حاذقة ، واندفعت تقول : أليس عجيبا أن بيتا يضمني * وإيّاك لا نخلو ولا نتكلّم ! سوى أعين تبدي سرائر أنفس * وتقطيع أنفاس على النّار تضرم إشارة أفواه ، وغمز حواجب ، * وتكسير أجفان ، وكفّ تسلّم فهيّجت يا أمير المؤمنين بلابلي ، فطربت لحذقها وحسن شعرها الّذي غنّت به ، فحسدتها وقلت : قد بقي عليك يا جارية شيء ، فرمت العود وقالت : متى كنتم تحضرون البغضاء في مجالسكم ! فندمت على ما كان مني ، ورأيت القوم قد أنكروا عليّ ذلك ، فقلت في نفسي : فاتني جميع ما أمّلت ، ثم قلت : أثمّ عود ؟ قالوا : نعم ، وأحضروا عودا ، فأصلحت ما أردت فيه ، ثم اندفعت فغنّيت : هذا محبّك مطويّ على كمده * صبّ مدامعه تجري على جسده له يد تسأل الرحمن راحته * ممّا به ويد أخرى على كبده يا من رأى كلفا مستبعدا دنفا * كانت منيّته في عينه ويده فوثبت الجارية ، فأكبّت على رجليّ تقبّلهما ، وقالت : المعذرة إليك يا سيدي ، واللّه ما علمت بمكانك ، ولا سمعت بمثل هذه الصناعة . ثم أخذ القوم في إكرامي وتبجيلي ، بعد ما طربوا غاية الطّرب ، وسألني كلّ منهم الغناء ، فغنّيت لهم نوبات مطربة ، فغلب القوم السكّر ، وغابت عقولهم ، فحملوا إلى منازلهم ، وبقي صاحب المنزل فشرب معي أقداحا ، ثم قال : يا سيّدي ، ذهب ما مضى من عمري مجّانا إذ لم